تتابع شبكة التضامن النسوي بقلق بالغ التداعيات الإنسانية للتصعيد العسكري الذي تشهده مناطق عدة في اليمن، ولا سيما على امتداد الساحل الغربي وفي محافظة تعز ومناطق باب المندب، إلى جانب مناطق متأثرة بالمواجهات في مأرب والجوف والبيضاء ولحج. وقد أدت هذه التطورات إلى موجات نزوح جديدة، وأجبرت آلاف الأسر على مغادرة منازلها ومجتمعاتها بحثاً عن الأمان.
وبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة الصادرة في 13 سبتمبر 2026، بلغ عدد النازحين نتيجة التصعيد الأخير تجاوز 125 الف شخصاً، بينهم 82,164 شخصاً نزحوا منذ بداية شهر سبتمبر وحده، فيما اضطر أكثر من ألفي شخص إلى عبور البحر والوصول إلى جيبوتي، وكان من بين الواصلين نساء وأطفال، وما زالت تتوارد تقارير حول استمرار تدفق النازحين في ظل استمرار العنف والنزاع المسلح.
وترصد شبكة التضامن النسوي، من خلال عضواتها وشركائها، أن النساء لسن فقط من بين المتضررين من النزوح، بل هن أيضاً جزء أساسي من الاستجابة له. فالنساء يتبادلن المعلومات حول حركة النزوح والاحتياجات، ويساعدن الأسر في الوصول إلى الخدمات، ويحشدن الدعم داخل مجتمعاتهن، بينما تتحرك الناشطات والمبادرات والمنظمات المحلية لسد فجوات في الاستجابة. وفي الوقت نفسه، تواجه النساء النازحات تحديات تتعلق بالملاذات الآمنة والدخل والرعاية الصحية والتنقل والوصول إلى المساعدات والخدمات. ولذلك يجب أن تستند الاستجابة إلى خبرات النساء واحتياجاتهن الفعلية، وأن تضمن مشاركتهن في القرارات التي تمس حياتهن ومجتمعاتهن.
وتأتي موجة النزوح الجديدة في وقت تعاني فيه الاستجابة الإنسانية في اليمن أصلاً من احتياجات هائلة ونقص حاد في الموارد. ووفق خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026، يحتاج 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية والحماية، وتستهدف الخطة الوصول إلى 12 مليون شخص، منهم 9.4 مليون من أصحاب الاحتياجات الأكثر حدة. وتتطلب الاستجابة 2.16 مليار دولار أمريكي، منها 1.6 مليار دولار للتدخلات ذات الأولوية.
توطين العمل الإنساني ضرورة عاجلة وليس وعداً للمستقبل!
تكشف الأزمة الحالية مرة أخرى الحاجة إلى الانتقال من الحديث عن توطين العمل الإنساني إلى تطبيقه فعلياً. فمنذ القمة العالمية للعمل الإنساني عام 2016، التزم المانحون والمنظمات الإنسانية، ضمن "الصفقة الكبرى" (Grand Bargain)، بالعمل على إيصال ما لا يقل عن 25% من التمويل الإنساني إلى الجهات المحلية والوطنية بأكبر قدر ممكن من المباشرة. وبعد عقد من هذا الالتزام، لا تزال الفجوة كبيرة بين التعهد والممارسة.
ففي اليمن، تشير بيانات خدمة التتبع المالي التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA FTS) لعام 2025 إلى أن المنظمات غير الحكومية الوطنية تلقت بصورة مباشرة نحو 76.2 مليون دولار من أصل 704.6 مليون دولار من التمويل المسجل حسب نوع الجهة المستلمة ضمن خطة الاستجابة الإنسانية، أي نحو 10.8% فقط. وتشير البيانات الأولية لعام 2026 إلى نحو 18.6 مليون دولار من أصل 438.1 مليون دولار مسجل، أي حوالي 4.3%، مع التأكيد أن بيانات العام الجاري ما تزال أولية وقابلة للتحديث.
وفي المقابل، يبين صندوق اليمن الإنساني أن زيادة التمويل المباشر للمنظمات الوطنية ممكنة؛ ففي عام 2025، ذهب 59% من أصل 22.6 مليون دولار خصصها الصندوق مباشرة إلى منظمات غير حكومية وطنية، متجاوزاً هدف الصندوق البالغ 50%.
ولا يعني توطين العمل الإنساني أن تنفذ المنظمات اليمنية البرامج بينما يبقى التمويل والقرار لدى الجهات الدولية. فالمنظمات المحلية موجودة داخل المجتمعات قبل الأزمات وأثناءها وبعدها، وتمتلك معرفة مباشرة باحتياجاتها. والتوطين الحقيقي يعني أن يصل إليها التمويل وأن تكون شريكاً في تحديد الأولويات وتخصيص الموارد وصنع القرار. وينطبق ذلك بصورة خاصة على المنظمات النسوية والمنظمات التي تقودها النساء، التي يجب التعامل معها كفاعلات في العمل الإنساني، وليس فقط كوسيلة للوصول إلى النساء المستفيدات.
وعليه، تدعو شبكة التضامن النسوي إلى:
إن اليمن لا يحتاج إلى انتظار أزمة أخرى لإصلاح منظومة الاستجابة الإنسانية. المطلوب اليوم حماية المدنيين والمدنيات، والاستجابة العاجلة للنازحين والنازحات، وتمويل العمل الإنساني بما يتناسب مع حجم الاحتياجات، ووضع قدر أكبر من الموارد والقرار في أيدي الفاعلين المحليين/ات المتواجدين/ات بالفعل داخل المجتمعات المتضررة. والنساء اليمنيات يجب أن يكنّ جزءاً أساسياً من قيادة هذه الاستجابة وصناعة القرار بشأنها.
شبكة التضامن النسوي
15 سبتمبر 2026